ابن ميمون

519

دلالة الحائرين

فلما قسموا هذا التقسيم بتّوا الحكم ، وقالوا : ان قسمين من هذه الثلاثة الاقسام « 655 » اللازمة لكل من يعلم ، ممتنعان + في حق اللّه تعالى ، وهما ان لا يقدر ، أو يقدر ، ولا يعتنى . إذ هذا خلق شر أو عجز ، وتعالى عنهما . فلم يبق من التقسيم كله الا ان يكون لا يعلم شيئا من هذه الأحوال بوجه ، أو يعلمها ، وينظمها أحسن نظام . ونحن نجدها غير منتظمة ، ولا لازمة لقياس ، ولا مطردة على ما ينبغي . فذلك دليل على كونه لا يعلمها بوجه ولا بسبب . هذا الامر هو الّذي أوقعهم أولا في هذا الافتيات العظيم . وتجد جميع ما لخصته لك من تقسيمهم وتنبيهي على أن هذا موضع غلطهم مبيّنا مشروحا في مقالة « 656 » الإسكندر الافروديسى « في التدبير » . فارى وأعجب كيف وقعوا في شر مما هربوا منه ، وكيف جهلوا الامر الّذي لم يزالوا « 657 » ينبهوننا « 658 » عليه ويشرحونه لنا دائما . اما وقوعهم في شر مما هربوا منه فكونهم هربوا من أن ينسبوا للّه الإهمال ، وقطعوا عليه بالجهل ، وكون كل ما في هذا العالم السفلى مستورا عنه ولا « 659 » يدركه . واما جهلهم بما لم يزالوا ينبهوننا « 658 » عليه فكونهم اعتبروا الوجود بأحوال اشخاص الانسان التي شرورهم منهم ، أو من ضرورة طبيعة المادة ، على ما يقولون دائما ، ويبينون . وقد بينا من ذلك ما ينبغي . فلما اصّلوا هذه القاعدة الهادّة لكل قاعدة حسنة المسمّجة لجمال / كل رأى صحيح ، اخذوا بعد ذلك ان يزيلوا شناعتها « 660 » وزعموا ان علم هذه الأشياء ممتنع في حق الاله من جهات : منها ان الجزئيات انما تدرك بالحواس لا بالعقل واللّه لا يدرك بحاسة . ومنها ان الجزئيات لا تتناهى والعلم إحاطة ، وما لا يتناهى لا يحاط به علما . ومنها ان العلم بالحوادث وهي جزئية « 661 » بلا شك ، يوجب له تغيرا ما ، لأنه تجدد علم بعد علم . وبحسب دعوانا نحن معشر المتشرعين انه علمها قبل كونها ، يشنّعون علينا شناعتين :

--> ( 655 ) الاقسام : ج ، اقسام : ت ( + ) : ل ، ممتنع : ت ( 656 ) مقالة : ت ، رسالة : ج ( 657 ) يزالوا : ت ، يزل : ج ( 658 ) ينبهوننا : ت ، ينبهونا : ج ( 659 ) ولا : ت ج ، لا : ن ( 660 ) شناعتها : ت ، شناعته : ج ( 661 ) جزئية : ت ، الجزئيات : ج